في صباح الأحد، الثاني عشر من يوليو عام 2026، والدوحة ما تزال تتنفّس هدوءها، وصل الخبر خفيفًا كخطوة، ثقيلًا كجبل: رحل صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. وفي جامع الإمام محمد بن عبدالوهاب، حيث احتشد أبناء شعبه المكلوم لأداء صلاة الجنازة، بدا الحزن أكبر من أن تتسع له الساحات؛ فلم يكن الوداع وداع أمير فحسب، بل وداع مرحلة كاملة من عمر الوطن، لقائد ظل حاضرًا في تفاصيل حياتنا، وأرسى دعائم دولة حديثة واثقة بمكانتها ومعتزة بهويتها، وهي المسيرة المباركة التي يواصلها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، بحكمة واقتدار وثبات. ولأن النهضة الحقيقية تُقاس بما ترفعه من قدر الإنسان، فقد أنصف الأمير الوالد أبناء وطنه جميعًا، وكان للمرأة القطرية في عهده نصيب أصيل من الحلم، ومكان مستحق في مسيرة البناء.لم يكن إنصافه للمرأة وعدًا عابرًا، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات؛ بل كان واقعًا رأيناه يتشكّل أمام أعيننا.
ففي الثامن من مارس عام 1999، وقفت المرأة القطرية أمام صندوق الاقتراع ناخبة ومرشحة في انتخابات المجلس البلدي المركزي. لم تكن تلك مجرد ورقة تُلقى في صندوق، بل صفحة جديدة تُفتح في تاريخ الوطن، ورسالة واضحة بأن صوت المرأة جزء من صوت قطر، وأنها شريكة في الشأن العام وصناعة المستقبل، لا متفرجة على مسيرته.
ثم شاركت المرأة إلى جانب الرجل في الاستفتاء على مشروع الدستور الدائم عام 2003، فكانت حاضرة في لحظة وطنية فارقة، وأسهمت بصوتها في رسم الإطار الدستوري لمستقبل دولتها. ومن صندوق الاقتراع امتد الطريق إلى مواقع المسؤولية، فرأينا المرأة القطرية في الوزارة ومجلس الشورى والقضاء والنيابة العامة والسلك الدبلوماسي والمؤسسات الأكاديمية والاقتصادية؛ لا ضيفةً على المشهد، بل شريكةً أصيلة في صناعته.
وفي التعليم، فُتحت أمام الفتاة القطرية أبواب الجامعات والمؤسسات العلمية العالمية في قلب وطنها. فلم تعد أحلام الطب والهندسة والقانون والبحث العلمي والدبلوماسية بعيدة المنال، بل صارت طرقًا مفتوحة أمامها، تمضي فيها واثقة، مستندة إلى هويتها وإرث أمهاتها، ومتطلعة إلى مستقبل أرحب.
وقد كانت رفيقة دربه صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر القلب النابض لهذه الرؤية الإنسانية؛ حملت همّ التعليم وتمكين الإنسان، وجعلت من المعرفة طريقًا إلى الكرامة والاستقلال والمشاركة. فغدت المرأة القطرية طبيبة ومهندسة وأكاديمية ودبلوماسية ومحامية وقاضية وقائدة، لا لأنها تخلّت عن هويتها، بل لأنها وجدت وطنًا آمن بقدرتها، وفتح أمامها الطريق.
وهنا تتجلّى عظمة إنصاف الأمير الوالد للمرأة: لم ينظر إليها بوصفها نصفًا ينتظر من يمنحه مكانًا، بل رآها نصف الوطن الذي لا يكتمل البناء من دونه، وشريكةً في المسؤولية، ويدًا لا يقل أثرها عن يد الرجل في رفع راية الوطن.
ولعل أصدق ما أشعر به في هذا المقام أننا، أبناء هذا الوطن، لم نشعر يومًا أننا نعيش في ظل حكم فحسب؛ بل شعرنا أن لقطر أبًا وأمًّا: أبًا رسم الطريق وثبّت الأساس، وأمًّا حملت مشعل العلم والإنسان، حتى صار للوطن جناحان يحلّق بهما؛ رجل وامرأة يعملان معًا، ويتقاسمان شرف البناء ومسؤوليته.
واليوم، ونحن نودّع الأب، يثقل الحزن قلوبنا، لكن عزاءنا أن أثره لم يرحل، وأن البذور التي غرسها أزهرت وطنًا، وأن ما أرساه من دعائم راسخة تمضي عليه قطر اليوم بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، نحو مزيد من الرفعة والازدهار.
أما أنا، فسأظل كلما رأيت صورة الأمير الوالد ، أشعر أن جزءًا من طفولتنا وذاكرتنا ما زال واقفًا هناك؛ يذكّرنا برجل لم يكن عابرًا في تاريخ قطر، ويطمئننا بأن الطريق مستمر، وأن الوطن بخير.
رحل الأمير الوالد، لكن الوطن الذي نهض به، والمرأة التي آمن بدورها، والأجيال التي فتحت عينيها على حلمه، ستظل شاهدةً على أن بعض القادة لا تنتهي سيرتهم عند الرحيل، بل تبدأ لهم حياة أخرى في ذاكرة الأوطان.
رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمة واسعة، وغفر له وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء. وحفظ الله حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى.
وحفظ الله صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر المسند، وألهم الأسرة الكريمة وشعب قطر الوفي جميل الصبر وحسن العزاء والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
ابنة الوطن ، المحامية / عائشة سلطان خالد ناصر السويدي

